
1939 - 2006
مارد الزنزلخت
حنان محفوظ ابو حبيبالى عصام محفوظ أخي عصام: وكان الامتداد صغيراً في الظلام يمسح جبين الوقت وهو يركض الى الممرات... يحضن طفلتك "مرجعيون" *** انا... قدم واقفة وانت مارد الشرفة وقد لوى "الدرابزين" يده ليقطف حبوب الزنزلخت ويزين شعر ازهارها الليلكية. *** ثم حملك الوطواط الى العلية. وطبول الابواق ادخلت لك عصا الجنية.. ومع المزامير وترانيم المرج ركعت لبيروت الحورية. *** شاب الزمن واختفت الدعسات وخذلتك كل الطرقلم تكن مثلك تحلم بالعلية قبضة لحرية الزنزلخت.. المقاعد رشفت قهوة الرصيف وسقطت رموش ضحكاتك. آه... كم اتعبتك الدعسات! *** وحدك في الزمن تلف شرائط الحورية. أباً... أخاً... حبيباً ... وخذلتك تلك الحورية..فجمعت الحبيبات وكان الظلام يلف الممرات وعدت باكراً بسلام مارد الشرفة تغفو بحضن طفولة الشجر والازهار البرية وبيدك قبضة حبوب تزين بها شعر ازهار الزنزلخت الليلكية وخذلتك
من مواليد عام 1939 في جديدة مرجعيون – جنوب لبنان.
له في المسرح:
في النقد:
حوارات:
في السياسة:
في الشعر:
في القصة:
في الترجمة:
مــن لــغـــــــة الـكــــــتـــاب الـى لــغـــــة الـخــــشـــــبــــة
المــســـــرحـي الـــذي نـــســــي مـــســــرحــــه مــضــــــاءً
في استطاعة كل حرف يُكتب أن يختار تصيّره ورقة نعي تُعلَّق، أو ورقة تين تسقط، أو مرثاة. لكن المرثاة باتت لا تصح، في أيامنا هذه، إلا مع الذين يجعلون من لحظات رحيلهم "مناسبة" اضطرارية كي نعيد قراءتهم من جديد، والحزن عليهم من الأول: عصام محفوظ يؤلف لنا موته كما لو أنه يؤلف عملاً جديداً وأخيراً. جلطة دماغية كتبت الصحف، وكان الحريّ بنا أن نبحث ونفتش في كتبه ومسرحياته عن جملة أو كلمة أو حرف يُكذّب ما قرأنا. عصام محفوظ، كم من أبناء الجيل الجديد يعرف هذا الاسم الذي وُضعت بعض أعماله بين أفضل إبداعات المسرح العربي، ولِمَ لا العالمي؟ عصام محفوظ في ذمة الحروف أولاً... والباقي من التفاصيل إذاً.
أحد مؤسسي موجة الحداثة، والواضع أولى لبناتها التي طاولت المسرح اللبناني في أكثر من مطرح. بدأ نضاله المسرحي منذ أوائل الستينات مؤسساً مسرحاً لبنانياً حديثاً، مواكباً ومتأثراً بالحركة المسرحية الغربية، وأوجد أفقاً جديداً له، هو أفق الاستفادة القصوى من انتصارات المسرح العالمي، واتجاه نبذ آخر آثار الدراما البورجوازية وصالوناتها التي تُسقط عنها حائطها الرابع، على ما رأى نزار مروة. فمنذ مسرحيته الأولى، "الزنزلخت"، استطاع أن يقوم بتجربة المؤلف الحديث في المسرح اللبناني، الأمر الذي منح الحركة المسرحية الوليدة ثقلها الضروري.
لقد أرّخت "الزنزلخت" لولادة المسرح اللبناني الحديث، حيث استخدم فيها المؤلف حواراً بسيطاً طالعاً من صميم اللغة المحكية اللبنانية في جوها وأمثالها، وهذا منح النص مضموناً محلياً سواء في التعبير أو في المسلك، بحسب شكيب خوري، من دون أن يحرم سعدون، بطل المسرحية، من المشاركة في القلق الكوني.
في كتاب "المسرح السياسي في لبنان" الصادر بالفرنسية العام 1974، اعتبر غسان سلامة أن الانطباع الأول الذي يشرق في بالنا عن هذه المسرحية، المكتوبة في شاعرية آسرة، هو ما له علاقة بالمسرح البسيكولوجي. لأنها تمثل تمسرحاً حديثاً بطريقة وجودية لمأساة أوديب. لكن اعتراف أوديب عصام محفوظ هو اعتراف مجنون، في معنى من المعاني. فهذا المجنون يحدس أن ثمة وجوداً لسعادة ممكنة، ولشعور إنساني ما: الجنون النموذجي الذي ينتقل ببطل المسرحية من مجرد كونه قضية خاصة إلى فضاء القضايا العامة.
لذا، يصح في "الزنزلخت" أكثر من تفسير واحد، ربما لأنها قد كُتبت في العام 1963، ولم تُقدم حتى العام 1968، أي بعد الهزيمة، ما فتح المجال واسعاً للتأويلات التي تتناسب والوضع بعد الهزيمة.
في مسرحيته الثانية التي حملت عنوان "الديكتاتور"، كرّس عصام محفوظ المفهوم التقني الجديد، لغة وحواراً، عبر حوار ثنائي مشحون ومتوتر بين شخصين فقط في استطاعتهما حبسك طوال ساعتين: أبرع حوار ثنائي طويل النفس عرفه المسرح اللبناني شكلاً ومضموناً، على ما كتب كميل سعادة. أما في خصوص اللغة المسرحية الجديدة التي استخدمها محفوظ فإنه بالرغم من لبنانية التعبير ولبنانية الأمثال، وتالياً لبنانية اللغة، فقد قدّم المؤلف تركيباً متميزاً حرّك هذه اللغة، معيداً خلقها من جديد.
أسس عصام محفوظ، والذي هو أحد أركان مجلة "شعر"، لمشروع أسلوب يساعد في تأسيس لغة بديلة، كمشروع مرحلي يحمل اسم: الفصحى الشعبية. فقد كان معارضاً لكل "الثياب القديمة"، الأخلاقية منها واللغوية، التي تفصل المسرح عن صدمته الضرورية. ولذلك كتب ووزع بياناً حمل عنوان "بيان مسرحي رقم واحد"، بعد وقت قصير من تقديم مسرحية "الزنزلخت"، هذه المسرحية التي تم تصنيفها من أفضل إبداعات المسرح العالمي بين عامي 1966 و 1970. ومما جاء في هذا البيان: "لأننا نمر في فترة حرجة من تاريخ أمتنا، ولأننا في حاجة إلى شهداء، فلتكن اللغة الفصحى شهيدة المسرح المقدسة".
وفي ذلك يروي محفوظ أنه، أثناء المؤتمر المنعقد على هامش "مهرجان دمشق الثاني للفنون" في العام 1970، وهو المؤتمر الأول لبحث قضايا المسرح العربي المعاصر، اصطدم بوزير الثقافة السوري فوزي الكيالي، الذي أراد أن يفرض اللغة الفصحى على المسرح المشارك في المهرجان بحجة أن الاعتراف بالعامية وتشجيعها هما "خيانة" على الصعيد القومي تساعد في تعطيل مشروع الوحدة العربية.
لكن عصام محفوظ اعتبر أن طرح مسألة العقبات التي تواجه المشروع الوحدوي العربي هو طرح خاطئ في أساسه، لأن مراجعة صغيرة لتاريخ الأقطار العربية قبل "التجزئة الاستعمارية" - حين كانت هذه الأقطار تحت الحكم العثماني - تؤكد لنا أن تلك الوحدة لم تمنع استفحال العاميات العربية المختلفة على لسان الرعايا العثمانيين من العرب. وفي المقابل، فإن تعدد لغات القوميات في الاتحاد السوفياتي سابقاً، لم يمنع إنشاء دولة اتحادية كبرى مع تعزيز اللغات المحلية رسمياً.
أكثر من ذلك، إن ازدواجية اللغة العربية، في رأي عصام محفوظ، لم تنشأ في عصور الانحطاط، ولا في ظل التجزئة الاستعمارية، إنما في أحضان العصر الذهبي للإمبراطورية العربية، يوم كانت بغداد حاضرة عالمية. لذلك صح القول إن النص المسرحي مع عصام محفوظ حقق نقلته النوعية حين هجر لغة الكتاب إلى لغة الخشبة.
للراحل الكبير أكثر من خمسة وعشرين كتاباً في التأليف والترجمة، نذكر منها في المسرح: "الزنزلخت"، و"الديكتاتور"، و"التعري"، و"ستيريو 70"، و"من قتل فرج الله الحلو"... وله في النقد مؤلفات عدة منها "مسرحي والمسرح"، الذي يتناول فيه التجربة المسرحية العربية الحديثة من خلال تجربته الشخصية في المسرح في الثلاثين سنة الفائتة، عبر مداخلات نظرية ونقدية ومقاطع من أحاديثه عن المسرح. إلى ذلك، للراحل مؤلفات فكرية وقصصية وحوارية: "عاشقات بيروت الستينات"، "حوار مع الملحدين في التراث"، والذي حاور فيه ثلاث شخصيات اشتهرت بتصديها للموضوع الديني، وهم: ابن الرواندي وأبو بكر الرازي وجابر بن حيان.
عصام محفوظ مفتتح الكتابة العربية الحديثة لخشبة المسرح في لبنان، ينسى أضواء مسرحه مضاءة، في هذه العتمة التي تطمس مجتمعاتنا العربية، ويرحل. هذه المجتمعات التي راقها، على ما يبدو، قَدَرُ أن تكون زنزلختاً.
ماهر شرف الدين
Annahar
ســــــــــــــــــراج
كان عندنا سراج، نشّف زيته امس، فانطفأ.
عصام محفوظ كان ضوءاً في عتمة، وحجر نرد على طاولة حظ.
بحث عن الحرية في كل مكان، في الشعر والنثر والمسرح، فلم يجدها الا في المال. وهو القائل "ان المال هو الحرية".
لم يعرف القرار، وكنا ملجأه في الليالي الكالحة.
واذا رنّ جرس الهاتف بعد منتصف الليل، هتف الكل: "هذا عصام".
وكان خفيفاً، نظيفاً. لم يلقِ عبئه على أحد. وحين عُرض عليه الموت البطيء في المستشفى، آثر الانطفاء في المنزل، بعد اصابته بنزف في الدماغ .
عصام محفوظ، عاش كطيف في قصيدة، وتوارى كبطل في مسرحية.
عصام محفوظ في عهدة "الموت الثاني"
فهو لم يمت لأنه يحب الموت. هو مات رفضاً للمصير الذي آلت إليه هذه الحياة الخائنة. أضرب عصام محفوظ عن الحياة، لأنها نكثت العهود ولم تعد كما شاءها وعاشها، حلماً واختراعاً وثقافة ونهضة وبحثاً عن الحداثة وكفاحاً من أجل الضوء والحرية والعلمانية والديموقراطية.
مات، وحسناً فعل، احتجاجاً وقرفاً ويأساً.
وإذ تركته هذه الجمهورية السعيدة يذوي على قارعة البلاد، فهو كان قد سبقها الى ذلك، متشفياً ومنتقماً، حين اختار طوعاً وعن سابق وعي وإدراك، قرار البحث الضمني عن الموت صوناً للحياة التي لاعبها طويلاً وعميقاً وحتى الرمق الأخير. نحن الذين تربينا على "أسطورة" مجموعة "شعر" وعلى الحقيقة العظيمة التي صنعتها لثقافتنا، كم يؤلمنا ان نودّع اليوم ركناً من أركانها، هذا الوجه النهضوي التنويري الحديث، العلماني الديموقراطي اليساري الذي شارك في صناعة الحداثة، اللبنانية والعربية، أدباً ومسرحاً وترجمة وفكراً ونقداً وسياسة، والذي يغادر اليوم حياتنا الثقافية، بل الحياة مطلقاً، تاركاً لنا التبكيت والسؤال.
أليس عصام محفوظ هو الشاعر الذي كتب عام 1973 ديوان "الموت الأول"، تمهيداً لكتاب "الموت الثاني" الذي جرت وقائعه أمس، بل قبل أمس بسنة، وربما بسنتين، والله أعلم؟!
إنه هو هو بالتأكيد، هذا الذي كتب "أعشاب الصيف" عن "دار مجلة شعر" عام 1961، هاتين الدار والمجلة اللتين ينبغي لنا أن نتذكرهما الآن أكثر من أي وقت مضى. انه عصام محفوظ، هو، هو، الذي كتب "السيف وبرج العذراء" شعراً عن "دار مجلة شعر" نفسها، عام 1963، فـ"الموت الأول"، الى ان ذهب الى خشبة المسرح لا ليقف هو فوقها إنما لينتدب الكلمات والحوارات والشخصيات والأزمنة والأمكنة، وليكتب لها النصوص الألمعية التي أدرجته كاتباً طليعياً أول في هذا المجال البكر الذي تُحفظ له فيه ريادته وأسبقيته وفاعليته الدرامية القصوى. عرفنا له بيانه المسرحي الأشبه ما يكون بالمانيفست، والذي وضعه فيه عصارة نظرته الى ما ينبغي ان يكونه المسرح العربي الحديث لكي ينمو ويزدهر ويحيا بذاته ومنفتحاً على الآخر، مثلما عرفنا له نظريته في لغة المسرح وضرورة المواءمة بين الفصحى والعامية، في ما أطلق عليه تسمية "الفصحى الشعبية". وعرفنا له، أيضاً وأيضاً، مسرحية "الزنزلخت" التي كانت صدرت عام 1968 عن "دار النهار للنشر"، لتكرّ بعدها المسرحيات، من "القتل" الى "كارت بلانش" و"الديكاتور" و"لماذا رفض سرحان سرحان"...، فإلى أعماله المسرحية الكاملة التي تنطوي على الاسئلة الوجودية، الحضارية والثقافية، الفردية والجماعية، التي يعتمل بها ضمير الانسان العربي في خضم التحولات الكبرى. ولا مفر من ان نتذكر هزيمة العرب عام 1976، والأثر الفادح الذي طبعت به مجمل الأفكار والكتابات، ذاك الزمن، ولم يكن عصام محفوظ بعيداً عن ذاك الخضمّ، بل في جحيم خيباته ومراراته.
عصام محفوظ، تعرفه جيداً هذه الصفحة الثقافية في "النهار"، أيام كان أحد أركانها وأعمدتها منذ عام 1966 الى عام 1996، بقصائده ونصوصه ومسرحياته ومقالاته وحواراته وترجماته وآرائه النقدية، وهي كانت في ضمير النهضة اللبنانية والعربية الحديثة.
أحبّ أن أسمّيه "الاستاذ" عصام، لاني انتمي الى جيل هو أحد أساتذته أولاً، ولأنه أرسى كذلك دعائم متينة للثقافة الملتزمة، لكن المتنوعة والخلاّقة، من التراث الى آخر اختبارات الحداثة، والتي لا تقف عند حدود الأدب حصراً، بل تتخطاها الى الفنون المختلفة، فإلى الموقف الشمولي من الحياة، عيشاً وفلسفة واسئلة وجود. واذا كان من صفة تجدر به فهي صفة المثقف الشمولي الرائي. ولهذا السبب كان ناقدا، اذ كان يرى بحواسه كلها، بحواسه المثقفة والمتفتحة كالبوصلة. وغالباً ما كانت رؤيته النقدية مصيبة، لأنها كانت رؤية عارفة وجوهرية. ولهذا السبب كان مترجماً. ولهذا السبب أيضاً كان محاوراً خلاقاً. وللسبب نفسه كان ملماً بشجون السياسة والفكر والنهضة، وبالرواد والمحدثين، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، حتى ليصحّ القول انه علامة باقية عند المفترقات والتحولات. وهو علامة ذات ضوء محفور في الذاكرة الأدبية الحديثة، وفي الوجدان الثقافي العام. تحت هذه المفاتيح الدلالية، أعيد القول انه استاذ ورائد. وتفتقده المؤلفات والمسارح والصحافة الثقافية والمقاهي
عصام محفوظ 1939 – 2006
كــــان عـــصـــبــة نـــفـــســـــه
المستقبل - السبت 4 شباط 2006 .
رحل الصديق، في الشعر والمسرح، والحياة، والظروف الصعبة، والرفقة المريرة، والألفة ولو على المزاج الخاص غير المدجن. هكذا رحل وحيداً، ولن يندم. فالراحلون وحدهم، هم بركة الثقافة والإبداع. والراحلون وحدهم، كأنهم يختارون الكبرياء، درباً لرحيلهم ؟
إنها غصة يا عصام. وليتك تعرف ما أحرجها! إنها لوعة وليتك تعرف ما أحدها! إنها الدمعة، وليتك تعرف ما أحزنها، وما أشفها، وما أحرها!
ترحل يا عصام، وتترك هذه المدينة، مدينتك التي ساهمت بصنع ضوئها، وطليعيتها! ترحل وتترك المقهى، يضج في صمته، بهمسك وضحكاتك المدوية، ومشاكساتك الرائعة.
ترحل، هكذا، يا عصام، وتخلف "كرسيك" شاغراً، ومنزلتك شاغرة.
بول شاوول
Assafir
عصام محفوظ ... اعبر عالمك بغضب
حينما انتكب عصام محفوظ في صحته قبل أشهر، وهو المرض الذي افضى به إلى موته، انتبه البعض إلى أن من علائم عارنا تركنا رجلاً مثل عصام محفوظ ينتكب ويستوحد بدون أن يلقي هذا مسؤولية على عاتق فرد أو مجتمع أو دولة. الأرجح أن ما أطاح بمكتبتنا وذاكرتنا في ليل هو سأم بل انتقام من الذات وتوبيخ لها طالما انقلب نكراناً كبيراً وعقوقاً بلا حدود. طالما تحول الى رشق تاريخ ورجم ثقافة لم تنقذنا وكبار لم ينقذوا أنفسهم. ولعل عصام محفوظ الذي تمسك إلى الأخير بحلم لم ينجز طاله
من نكراننا وعقوقنا الكثير.
كان عصام حساساً غضوباً طافحاً بنفسه، وتلك خصال لا تنشأ من اهواء النفس وحدها بل تنشأ من رحم ثقافة وتاريخ، وقد مثل عصام محفوظ بحق ثقافة الاحتجاج هذه وسار بها الى نهاياتها. لقد كان حفيد السيريالية الغربية والمتحول إلى ماركسية راديكالية وابن مسرح اللا معقول ومسرح الغضب ونجي لوتريامون ورامبو والفكر العقلاني العربي. في كل ذلك كان عصام محفوظ، كما يدل أدبه، ابن عصر من الوعود والصواعق والأحلام الانقلابية. وإذا كان كثيرون تزعزعوا في نصف الطريق فإن عصام محفوظ زاد تشبثا بقدر ما كانت الحرب تخسف بالأحلام والعالم يتخطى العصر الثوري، والحلم العربي إذا جاز القول يتحول سخفاً وانحطاطاً.
كان عصام محفوظ نوعاً من ماكنة فكر وماكنة إنتاج. لكنه كان ايضاً ورشة وطاحونة تأكل وتتآكل. الشاعر الذي بدأ مع مجلة شعر وعداً كبيراً وحقيقياً بقصيدة ملموسة ومادية وجارحة وأرضية وتفصيلية ما لبث ان هجر الشعر. تلك لحظة لم يكن وراءها إفلاس ولا نضوب، لكنها نوع من تكسير آلهة وافتراس أصنام. وربما كانت، كما دلتنا سيرة عصام محفوظ، ثأراً من الذات ومعركة معها. في المسرح كان أوّل وسباقاً وخلق في مناخ العصر المسرحي مسرحاً عصرياً ولغة مسرحية. من كان عموداً في حركة الشعر صار عموداً في حركة المسرح، لكن عصام محفوظ توقف فجأة في عز العمل وفي عرض الطريق، ولم يكن إفلاساً أو نضوباً، بل قدرة على القطع وعلى معاقبة الذات.
ما كان لكثيرين أن يرحموا كما يزعمون امرأً لا يرحم نفسه، ولم يرحم عصام نفسه ولم يرحم أحياناً سواه. كان قادراً على ان يصل بكل شيء إلى حافة النهاية، قادراً دائماً على الرجوع إلى الصفر والابتداء من جديد، انها ملكات كثيرة ساقها صاحبها بعسف حقيقي وموهبة كبيرة وفجة أثخنها بالإجهاد والتبديد. ولنقل ان الرجل، حتى في ما بدا لحظات تعب واستخفاف، كان قادراً، وكان خزينه كبيراً، إذ لا ننسى انه كان في حركة الشعر وحركة المسرح الأكثر اكتنازاً ومراجعة، وفي أوساط تسودها في الغالب عصامية وموهبة خام. كان عصاماً لكن ليس عصامياً فقد التهم مكتبة كاملة وبنى نفسه من الاصول، وتبنى تراثاً بأكمله من الشرق والغرب، وإذا بقي عصام محفوظ حتى نهاية حياته باحثاً في رامبو والسيريالية والجاحظ وابن عربي فلأنه كان ابن مدرسة ولأنه كان ابن تراث.
أكان حقاً أديباً ملعوناً بحسب التسمية الغربية، أي رجلاً لا يتعب من إيذاء نفسه ولا يتعب العالم من إيذائه. أكان حقاً رجلاً لم ينصف نفسه فكيف ننصفه نحن الذين لم يترك لهم العالم بقية من عدل أو انتباه؟ موت عصام محفوظ مستوحداً سيكون عقاباً لنا. إنه الأول الذي نخونه في عائلتنا الغريبة. الأول الذي خفنا من عدوى جموحه وثوريته ووسواسه وسويدائه. الأول الذي تركناه يشيخ قبل الأوان، وتركناه يعاقب نفسه عنا. موته، كما شعرنا حين انتكب في صحته، إخطار لنا، إنذار يرينا أن العيش بلا أحلام وبلا مخيلة لا ينجي من الجحيم.
بيروت – عبده وازن الحياة - 04/02/06
لم يكمل عصام محفوظ عامه السابع والستين، هو الذي كانت تليق به الحياة، بصخبها، بآمالها وخيباتها. رحل بعد اشهر من ملازمة الفراش، مشلولاً، شبه وحيد، مواجهاً الموت بما تبقى له من امل ضئيل. هذا الشاعر اللبناني والكاتب المسرحي والصحافي والمثقف الطليعي كان يستحق نهاية اقل وحشة وأقل برداً وفقراً. فهو كان من أبرز الكتّاب التزاماً لقضايا الإنسان المعاصر، نادى بالعدل ودعا الى الحلم وعمل على ترسيخ الثقافة الجديدة، جامعاً بين فكرة «تغيير» العالم و «تبديل» الحياة.
كان طبيعياً ان يستهل هذا الشاب القادم الى بيروت من الريف الجنوبي (جديدة مرجعيون) مطلع الستينات من القرن الماضي، مساره الطويل شاعراً، وشاعراً حديثاً، لم يتخل عن الوزن الحر وقصيدة التفعيلة التي كتبها على طريقته. ولم يمض وقت حتى التحق بمجلة «شعر» التي أسسها الشاعر يوسف الخال العام 1957، وأصبح من اعضائها البارزين. وفيها نشر قصائد كثيرة وكتب بعض افتتاحياتها، علاوة على بضعة «بيانات» خصوصاً عندما واجهت المجلة ازمة جوهرية.
خلال سنوات «شعر» أصدر محفوظ ا
استاذ التأليف الدرامي في الجامعة اللبنانية من عام 1969 حتى عام 1975.
عمل في صفحة "النهار" الثقافية من عام 1966 الى حين تقاعده عام 1996.
"الزنزلخت"، "دار النهار للنشر"، 1968.
"القتل"، "منشورات مجلة الفكر"، 1968.
"كارت بلانش"، منشورات مجلة "المصارف"، 1970.
"الديكتاتور"، "دار الطليعة"، 1972.
لماذا رفض سرحان سرحان..."، دار الطليعة، 1972.
"مسرحيات اذاعية"، "دار القدس"، 1975.
"جبران صورة شخصية، مسرحية وثقافية"، "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، 1983.
"المسرحيات القصيرة"، "دار ابعاد"، 1984.
الأعمال المسرحية الكاملة"، "دار الفكر الجديد"، 1988.
"التعري"، "دار الفارابي"، 2003.
"الأعمال المسرحية الكاملة" طبعة منقحة ومزيدة، "دار الفارابي"، 2005.
"دفتر الثقافة العربية الحديثة"، "دار الكتاب اللبناني"، 1973.
"أراغون الشاعر والقضية"، "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، 1974.
"سيناريو المسرح العربي في مئة عام"، "دار الباحث"، 1981.
"الرواية العربية الطليعية"، "دار ابن خلدون"، 1981.
"مشاهدات ناقد عربي في باريس"، "دار الباحث"، 1981.
"لقاءات شخصية مع الثقافة الغربية"، "الدار العالمية"، 1984.
"السوريالية وتفاعلاتها العربية"، "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، 1987.
"جورج شحادة ملاك الشعر والمسرح"، "دار النهار"، 1989.
"المسرح مستقبل العربية"، "دار الفارابي"، 1991.
"مسرحي والمسرح"، "مكتبة بيسان"، 1995.
"عشرون روائياً عالمياً وتجاربهم"، "شركة المطبوعات"، 1998.
"الرواية العربية الشاهدة"، "دار المدى"، 2000.
"شعراء القرن العشرين"، "دار العلم للملايين"، 2000.
"الشعراء الرواد في لبنان: 1900 – 1950"، "شركة المطبوعات"، 2000.
"ماذا يبقى منهم للتاريخ"، "دار رياض الريس للنشر"، 2000.
"مسرح القرن العشرين: المؤلفون"، "دار الفارابي"، 2002.
"مسرح القرن العشرين: العروض"، "دار الفارابي"، 2002.
رامبو بالاحمر"، "دار الفارابي" 2002.
"سجالات القرن العشرين الفكرية"، "دار الفارابي"، 2004.
"روائيو القرن العشرين"، "دار البيروني"، 2005.
"محاكمات لها تاريخ"، "دار البيروني"، 2005.
"اساتذتنا في القرن العشرين"، دار البيروني"، 2005.
"رحلة ثقافية في سبعينات القرن العشرين – شرقاً وغرباً"، "دار البيروني"، 2005.
"حوار مع رواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر"، دار رياض الريس للنشر"، 1988.
"حوار مع المتمردين في التراث"، "دار رياض الريس للنشر"، 2000.
"حوار مع ابن عربي"، "دار الفارابي"، 2003.
"حوار مع الملحدين في التراث"، دار "رياض الريس للنشر" 2004.
"ابعد من الحرب"، "دار الآداب"، 1993.
"وأبعد من السلام"، "دار الفارابي"، 1997.
"الارهاب بين السلام والاسلام"، "دار الفارابي"، 2002.
"أعشاب الصيف"، دار مجلة "شعر"، 1961.
"السيف وبرج العذراء"، دار مجلة "شعر"، 1963.
"الموت الأول"، "مؤسسة بدران"، 1973.
"عاشقات بيروت الستينات"، "دار رياض الريس للنشر"، 2000.
"قصائد ورسائل حب"، بول ايلوار، "دار الفارابي"، 2003.
"ماركس في اميركا"، هوارد زن، "دار الفارابي"، 2004.
كان الفقير عبداً بالنسبة اليه، ويستمر عبداً حتى يحرره المال، فيصبح سيداً.
وقد أمضى حياته مناضلاً ضد الأسياد الذين استعبدوه بمالهم.
كان الحظ أوفى خلاّنه، فرافقه وصادقه، فكرّس له جزءاً مهماً من وقته.
كفر بالسياسة والعقائد. وأكثر ما كفّره عقائد اليسار التي لم تحمه من غدر صائدي الضحايا على الهوية.
كان عصامياً. صديقه صديق.
ادمون صعب
حسناً فعل عصام محفوظ.
.
عصام محفوظ هو الآن في عهد الموت الثاني. ويستحق ان ننحني له
جمانة حداد
هــــذه الـصــــفـــحــــة تــــــديــــن لـــــه بــــالـكــــــثـــيـر
عندما يموت أحد كبارنا، نهرع جميعنا، كباراً وجدداً، الى أعماله ومآثره وأفضاله، لنتذكرها ونحيّيها، لأننا لا نملك سوى أن نكون أوفياء للذين صنعوا لنا جزءاً حيوياً وحاراً من ذاكرتنا الأدبية والثقافية. فكيف إذا كان هذا الموت يطاول، اليوم، عصام محفوظ، الشاعر والكاتب والناقد والمسرحي والمترجم، بل والمثقف والمناضل النهضوي، الفكري والسياسي، الذي ترك على أرض هذه الصفحة الثقافية بالذات، نباتاً وأزهاراً وأشجاراً خضراء ووارفة، كثيفة وعالية وبعيدة، الى حدود الأفق والسماء.
أمس غاب الجسد العليل، جسد عصام محفوظ، بعد صراع طويل مع المرض، وعزلة مرة. وفي غيابه تحضر مؤلفاته المطبوعة كتباً، وتلك التي أغنت خصوصاً صفحتنا الثقافية في "النهار"، مدى سنوات وعقود، لتشهد لفاعليته النيّرة ومساهمته الأساسية في جعل بيروت مختبراً جوهرياً للخلق الأدبي، وعاصمة للسؤال العربي الجريء والمغاير والمختلف، ومنبراً طليعياً للمناقشة حول معنى الثقافة والحرية والعلمانية في عصر التحولات والهزائم والتطلعات الكبرى. نلتقي حول عصام محفوظ لنكرّم الطريق الذي شقّه، ولنلقي الضوء على مكانته الجمة في استحضار العلاقة الديناميكية بين كنوز التراث وقضايا النهضة واختبارات الحداثة، وبين المحلي والعربي والعالمي، ولنؤكد مرةً أخرى أن ما نفعله اليوم يدين بالكثير لما فعله عصام محفوظ ورفاقه في حركة التغيير الأدبي والثقافي. بل لنؤكد أيضاً أن لا خلاص لهذه البلاد اللبنانية، وللبلدان العربية جمعاء، إلاّ بالثقافة، وخصوصاً إذا كانت ثقافة فردية وجماعية، متنوعة، وأولاً حرة
سمير عطاالله
كان شقياً الشقاء المحزن والانفرادي، حائر النفس ومظلوماً بذاته، يحبّها ويكرهها، يعشقها ويلعنها، يقدمها الى الآخرين نفساً مضطهدة خائفة ومرتجفة، ثم ينسحب بها الى زاوية الابتعاد وحكم الحبس الذاتي الأبدي. اراد ان يكون كل شيء في الغابة السحرية، الشاعر والكاتب والمسرحي. وكان يغضب من نفسه فيريد ان لا يكون شيئا او احدا او كائنا.
رأى في نفسه رائداً من رواد المسرح، ومغيّرا بلغة الخشبة، ومخترعاً مبدعاً في اللغة الثالثة، اي تبسيط الفصحى ورفع العامية. وتوقع ان يكرّس بقية الحياة والعمل من اجل المسرح. فاذا بالحرب تطبق على بيروت، والمسرح ينهار ويغلق الابواب، واذا بالمسألة كلها في ايدي القوالين والجوالين والتروبادور. وأحزنه ذلك، فأقام قطيعة بينه وبين نفسه. وراح يتذكر الخشبة التي كانت، ويحنّ الى الخشبة التي لم تكن. وتاه وحيدا ومنفرداً وشقياً في ضيق نفسه وسعة ثقافته. وأصدر على نفسه باكراً الحكم الاقسى والعقوبة المريحة: ان يكون قارئاً مطلقاً من دون أن يتحمل مسؤولية الكتابة وعطوبها وكونها امتحاناً ازلياً على حافة نبع، يوماً يغرق بصاحبه ويوماً يجف به. جرّب عصبة "شعر" وتركها. أبدع في المسرح وتركه. وقرّر يائساً وبغير حق ان يكون عصبة نفسه ومجموعة ذاته. وخشي على نفسه من الاضطهاد فأمعن فيها اضطهاداً وانسحاباً الى داخلها حتى لم يبق منه خارجها شيئاً.
الأســــــرة تـــحـــــيّـــيـــك
حبيب صادق
...اخيراً، وبعد صراع محموم ومرير مع المحنة الصعبة الضارية التي اجتاحته، على حين فجأة، فتساقط جسده، تحت ثقلها، عضواً فعضواً حتى الرمق الاخير
.
غاب، اخيراً، وجه عصام محفوظ الذي بقي ساطعاً، متألقاً من حبر ابداعه زهاء خمسين من السنين. ولئن كان لكل حياة أجل، فان الصورة التي ارتسمت لنهاية عصام لم تكن تليق بمثله من افذاذ المبدعين في هذا البلد المزهو باشعاعه الثقافي ومقامه الحضاري! امس، ظهراً، كان رفيقي زائغ البصر حابس الانفاس امام وجع عصام الذابل وجسده المثقل بالأنابيب الطبية في غرفة العناية الفائقة في مستشفى حكومي. واليوم يجد رفيقي نفسه مهشّم الروح غائر العينين وهو يستعد للسير بجثمان عصام، مع اهله وأصحابه المتبقّين، الى مثواه الأخير. في موكب التشييع الحزين تسير، بخشوع، اسرة المجلس الثقافي للبنان الجنوبي ملوّحة بشارة الوداع الأخير تحية اجلال لأحد افرادها المقيمين في ضميرها وفي ذاكرة بيتها الثقافي الجنوبي.
رحل عصام محفوظ. الشاعر والمسرحي والناقد والمترجم والسياسي والحواري، المتعدد الإيقاع، الخصب العطاء، المتنوّر، التغييري، الملتزم من دون أطر جاهزة، والمناضل على هامش الضوضاء والشعارات، ابن مرجعيون، الذي استوطن بيروت في عزها وفي انحدارها، في تألقها وفي خرابها، واستوطنته بيروت.
رحل عصام محفوظ مكسور الخاطر، شأن كل الكبار، الذين رأوا الالتزام أبعد من طوائفهم ومناطقهم وعشائرهم وأعمق من الأفكار الجاهزة. رحل مكسور الجناح، هذا المثقف، الحي، القلق، الحر، المنقشع، الذي أعطى المسرح ما لم يُعط، كتابة ورؤيا، فأحدث الثورة الكبرى في كتابته، من "الزنزلخت" الى "لماذا" و"الدكتاتور" و"القتل"... لمع رائداً أول في الكتابة المسرحية، ورحل رائداً أول في الحرية، وفي الفكر المنعتق من النهائيات والمطلقات. ولهذا، لم يكن لهذا الكبير، لهذا الصديق الكبير، لا الحيّز بين المتصارعين وأفرقاء الحروب العبثية، والطائفية، ولا الحيّز بين الوجاهات والصالونات والاستكانة الى الواقع
.
لكن أهي غصة في القلب، يا عصام! أن ترحل هكذا وحيداً، حتى من دون أن نكون قربك؟ لكن أهي غصة يا عصام، أن أتلقى خبر نعيك، وكأني غريب عنك، أنا الذي رافقك عقوداً، بين الشارع، والمقهى، والكتاب، والبيت، والمسرح، والشعر، والنقد؟ أهكذا، ولّيت الى حيث لم يستطع أحد من محبيك وأصدقائك، أن يدركك، ولا أحد من رفاق الدرب أن يرافقك في لحظاتك الأخيرة
ترحل، هذه المرة، مكسور الخاطر يا عصام، لكن ترحل وحيداً، كمن خلف كل شيء، لكي لا يرحل!
رحل عن 67 سنة وحيداً وفقيراً... عصام محفوظ شاعر حوّلته «الهزيمة» مسرحياً والحرب
اللبنانية صحافياً